ابن أبي الحديد
352
شرح نهج البلاغة
قال : " وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون " ، يعنى العزلة ومجانبة الناس ، وطول الصمت ، وملازمة الخلوة ، ونحو ذلك مما هو شعار القوم . قال : " وصحبوا الدنيا بأرواح أبدانها معلقة بالمحل الأعلى " ، هذا مما يقوله أصحاب الحكمة من تعلق النفوس المجردة بمبادئها من العقول المفارقة ، فمن كان أزكى كان تعلقه بها أتم . ثم قال : " أولئك خلفاء الله في أرضه ، والدعاة إلى دينه " ، لا شبهة أن بالوصول يستحق الانسان أن يسمى خليفة الله في أرضه ، وهو المعنى بقوله سبحانه للملائكة ( أنى جاعل في الأرض خليفة ) ( 1 ) ، وبقوله : ( هو الذي جعلكم خلائف في الأرض ) ( 2 ) . ثم قال : " آه آه شوقا إلى رؤيتهم ؟ " ، هو ( عليه السلام ) أحق الناس بأن يشتاق إلى رؤيتهم ، لان الجنسية علة الضم ، والشئ يشتاق إلى ما هو من سنخه وسوسته وطبيعته ، ولما كان هو ( عليه السلام ) شيخ العارفين وسيدهم ، لا جرم . اشتاقت نفسه الشريفة إلى مشاهدة أبناء جنسه ، وإن كان كل واحد من الناس دون طبقته . ثم قال لكميل : " انصرف إذا شئت " ، وهذه الكلمة من محاسن الآداب ، ومن لطائف الكلم ، لأنه لم يقتصر على أن قال " انصرف " كيلا يكون أمرا وحكما بالانصراف لا محالة ، فيكون فيه نوع علو عليه ، فاتبع ذلك بقوله : " إذا شئت " ليخرجه من ذل الحكم وقهر الامر إلى عزة المشيئة والاختيار .